al-kunnasha.com
  • الرئيسية
  • فلسفة
  • ترجمة
  • ملف العدد
  • عن الكناشة
  • تواصل معنا
RSS
al kunnasha الكناشة نابوليون

شعبويون خربوا بلادهم.. (1) نابليون

كتب – محمد وهبة:

الشعبوية استبداد ديمقراطي، وقد يفوق خطر الشعبوية خطر الاستبداد، لأن الزعيم الشعبوي مستبد يدمر الأمة برضاء الأمة. وقد حدثنا التاريخ عن عواقب كارثية نجمت عن وصول الزعماء الشعبويين للحكم، والدمار الذي أوقعوه بدولهم وسائر بلاد العالم. بدءاً من نابوليون بونابرت في فرنسا مروراً بهتلر في ألمانيا ثم جمال عبد الناصر في مصر، وألبرتو فوجيموري في بيرو، وهوجو تشافيز في فنزويلا، وانتهاءً بأردوغان في تركيا، وترامب في أمريكا، فقلما أتى زعيم شعبوي لم يجر من ورائه الخراب.

ونابليون بونابرت أول زعيم شعبوي في التاريخ الحديث. كان طموحه أبعد من مدارات النجوم، وفاقت شعبيته طموحه، لكنهما كانا نقمة على فرنسا ووبالاً على أوروبا. بدأ ضابطاً أرستقراطياً مؤمناً بقيم التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية، لكن طمعه غلب عقله وارتد عن مبادئ الثورة، ربما ظناً منه -مثل يوليوس قيصر- أن الاستبداد أقصر الطرق للإصلاح؛ فانقلب على حكومة المديرين الثورية في نوفمبر/تشرين الثاني 1799 ليصير القنصل الأول للجمهورية الفرنسية، قبل أن ينصبه مجلس الشيوخ إمبراطوراً عام 1804، مخيباً آمال من ظنوه مخلِّص شعوب أوروبا من استبداد الملكيات.

استبد نابوليون بالحكم وانفرد بالسلطة، التي أدارت رأسه مثل قنينة خمر فرنسي، حتى قال رئيس أركانه بيرتييه: “الإمبراطور لا يحتاج إلى نصيحة… واجبنا هو الطاعة”. فصار بونابرت مصداقاً للقول السائر: “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. وامتدت عواقب سياسات نابليون إلى ما وراء زمنه، وتركت حروبه منذ عام 1799 تأثيراً واسعاً على العالم. وكان مسؤولاً عن مقتل ملايين العسكريين والمدنيين، ومنهم أخلص جنوده ومواطنيه، الذين أحبوه وتعصبوا له، حتى اشتُقّ مصطلح “الشوفينية” من اسم “شوفان”، أخلص جنوده له.

أشعل نابليون أوروبا بحروبه، وقضى على ثلاث إمبراطوريات: الرومانية المقدسة والإسبانية والبرتغالية. واستنزف موارد القارة الاقتصادية والبشرية في التعبئة العامة لحروبه، عملاً بمبدئه الشهير: “ينبغي مدُّ الحرب بالحرب” حتى أفرغت حروبه مناطق من أهلها، ودمرت كثيراً من القرى، وشرَّد تجنيده الإجباري ما لا حصر له من العائلات. أينما زحف نابليون بجيشه الجرار، ترك وراءه الجثث والثكالى والمشرّدين والبؤساء، بحسب المؤرخ الجورجي ألكسندر ميكابريدزي، في مرجعه: “ The Napoleonic Wars A Global History” (تاريخ عالمي لحروب نابليون).

جنّد بونابرت بين 1803 و1814 أكثر من مليوني رجل في “الجيش الكبير” (الجيش متعدد الأعراق الذي خاض به حروبه) منهم 216 ألف بلجيكي، وأكثر من 100 ألف من كونفدرالية الراين (جزء من ألمانيا حالياً) و12 ألف سويسري، وعشرات الآلاف من بولندا وإيطاليا.

ويذكر ميكابريدزي أن التقديرات تشير إلى أن 125 ألفاً من أصل 200 ألف إيطالي خدموا في حروب نابليون لقوا مصرعهم. كما أنه جمع لغزو روسيا جيشاً من 600 ألف جندي، خَسِر منهم نصف مليون جندي، بمن فيهم نحو 100 ألف هارب، و120 ألف أسير. ورغم ذلك، لم يرتوِ ظمأ نابليون من تحويل القوى العاملة إلى جنود، وتحويل الجنود إلى جثث وأصحاب عاهات، ما كان سبباً في خسارته شعبيته، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية. 

كبّد نابليون أوروبا خسائر اقتصادية فادحة، في خضم صراعه مع بريطانيا؛ فرض حصاراً قاريّاً شلّ تجارة أوروبا، لحرمان لندن من تجارتها معها، لكنه تسبب في الوقت ذاته في نقص المؤن والبضائع وأزمات غذائية وإفلاس مراكز التجارة المعتمدة على البضائع البريطانية في القارة العجوز، خصوصاً في هولندا، وتسبب هذا الحصار في تأخر القارة تقنياً عن بريطانيا حتى بعد سقوطه. 

كما فرض نابليون جزىً مالية هائلة على دول أوروبا: فأخذ من دولة هانوفر (جزء من ألمانيا حالياً) 17 مليون فرنك، ومن إسبانيا 72 مليون فرنك سنوياً. واستنزف البنوك الفرنسية لبناء أسطول هائل يزيد على ألفي سفينة لمهاجمة بريطانيا، وصادر سفن القارة من هولندا حتى إسبانيا. واستنزف الدول الخاضعة له؛ فنهب أكثر من 500 مليون فرنك من بروسيا وحلفائها فأغرقهم في الديون، ونهب 300 مليون ليرة من إيطاليا سنة 1807 وحدها. وبين عامي 1805 و1813 جمع نابليون نحو 1.8 مليار فرنك، منهم 600 مليون فرنك من الدول الخاضعة له، وفق المصدر السالف الذكر.

ورغم كل هذه الأموال الطائلة التي نهبها من خزائن أوروبا، ظلت الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون تعاني عجزاً كبيراً في ميزانيتها، بسبب حروبه التي كلفتها حوالي 3 مليارات فرنك، فاضطر إلى فرض الضرائب وبيع أصول فرنسا للحصول على قروض. وبنهاية حكمه عام 1814، كان الاقتصاد الفرنسي في حالة يُرثى لها، ويئن تحت وطأة عجز مالي هائل وتعويضات بلغت 700 مليون فرنك.

لقد كانت أوروبا ضحية فرنسا، وكانت فرنسا ضحية نابليون، وكان نابليون ضحية شعار “الأمة الكبرى”، المهيمنة على القارة الأوروبية، بقيادة “الزعيم العبقري”، الذي فشل في تحقيقه بعد اثني عشر عاماً من الحروب المتصلة، لكن هذا الشعار تسلل إلى عريف نمساوي بعد مئة عام، وأراد أن يحقق ما فشل فيه نابليون، بحلم توحيد “الأمة الآرية الكبرى”.

[سبق نشره في موقع رصيف22 ضمن تقرير معمق]

Untitled design (2)

قصة الحلزون وشجيرة الورد

Like 1
Liked Liked
Untitled design (1)

معضلة البروز.. لماذا ينجح التافهون؟

Like 5
Liked Liked
Untitled design (2)

التسمم الذهني.. خطورة الفكاهة على العقل

Like 4
Liked Liked
Like 0
Liked Liked

↑

@ 2024 Al-Kunnasha. All rights reserved.
Powered by Al-Kunnasha