al-kunnasha.com
  • الرئيسية
  • فلسفة
  • ترجمة
  • ملف العدد
  • عن الكناشة
  • تواصل معنا
RSS
hitler هتلر الكناشة al-kunnasha

شعبويون خربوا بلادهم.. (2) هتلر

كتب – محمد وهبة:

أدولف هتلر نموذج كارثي للزعيم الشعبوي ذي “القيادة الكاريزمية الآسرة” التي وصفها ماكس فيبر؛ حيث رأى فيه ملايين الألمان “البطل المخلّص” الذي سيغسل الأمة الألمانية من عار هزيمة الحرب العالمية الأولى، لكن انتخابه مستشاراً عام 1933 كان إعلان وفاة ديمقراطية جمهورية فايمار وسيادة القانون فيها، وبداية مسار سلطوي دمّر ألمانيا وأحرق أوروبا والعالم.

في سيرته المميزة والشهيرة عن هتلر، يقول المؤرخ البريطاني إيان كيرشو، إن الحكم المطلق في عهد هتلر، أدى إلى تآكل مؤسسات الدولة، فعمّت الفوضى الإدارية، وصارت الأجهزة الحكومية تعتمد على “إرادة الفوهرر”. وهو ما جرَّأ النظام النازي على القتل السياسي باسم المصلحة الوطنية حتى ضد أبنائه، كما في “ليلة السكاكين الطويلة” عام 1934، حيث صفّى هتلر حلفاءه في ميليشيا العاصفة خارج نطاق القانون لتثبيت قبضته. ناهيك من مستويات غير مسبوقة من قمع المعارضين والاشتراكيين والشيوعيين واليهود، حتى يصف كيرشو الحكم النازي بأنه “أكمل نموذج للاستبداد في القرن العشرين”.

كان هتلر يعاني أحد أخطر عيوب الزعماء الشعبويين، وهو الأمية الاقتصادية. وفي حالته اقترن هذا الجهل بالطموح التوسعي. فالاقتصاد في نظره يأتي في المقام الثاني بعد السياسة، فهو ليس إلا أداة للحرب. فأخضع الفوهرر الرأسمالية للدولة، وأجبر القطاع الخاص على تنفيذ وخدمة أهداف النظام، بحيث تحدد وزارة الاقتصاد المهام الاقتصادية الوطنية، وعلى القطاع الخاص تحقيقها، وإلا فإن الدولة الاشتراكية الوطنية (النازية) “سوف تنجز هذه المهمة بمفردها”، وهو تهديد بالتأميم. 

والنتيجة أن النظام النازي ضخَّ مبالغ طائلة من المالية العامة في مشروعات بناء عملاقة، وفتح أبواب الفساد على مصراعيها، ودخل منها سوء الإدارة يجر في ذيله العجز المالي في الاقتصاد الألماني، الذي تفاقم نتيجة تبذير المال العام، وإنفاق رواتب فاحشة على الموالين للنظام، واستحداث وظائف للعسكريين خارج الخدمة، فضلاً عن تمتع أعوان النظام بإعفاءات ضريبية، وتحقيق الثراء السريع بالرشى والهدايا والهبات. لقد كان وراء آلة الدعاية النازية دولة بوليسية ينخرها الفساد من رأسها لجذورها.

وتسببت “الخطة الرباعية” التي وضعها الحزب النازي، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وإعادة التسلح بسرعة، في ضغوط هائلة على الاقتصاد الألماني، وهو ما أدى إلى تعميق العجز في المالية العامة ونقص الموارد، فصار التوسع الإقليمي ضرورة لتعويض الفشل الداخلي. وقد فاقم هذا الفشل الاقتصادي العنصرية؛ فكانت الغنائم السهلة التي يمكن جنيها بخطة “التأرين” (مصادرة أملاك اليهود لصالح العرق الآري أي الألمان) حلاً سهلاً لتعويض العجز المالي في اقتصاد مأزوم. 

وقد كشفت مذبحة “ليلة البلور” (1938) عن الوجه الحقيقي للشعبوية المتطرفة، حيث دُمِّر ما لا يقل عن 8 آلاف متجر من أملاك اليهود، وقُدّرت الخسائر بمئات ملايين الماركات، كما هُجّر نحو 30 ألف يهودي، وخسرت ألمانيا نخبة علمية كبرى، هاجرت وساعدت الحلفاء.

وبحلول أيلول/ سبتمبر 1939 قاد هتلر ألمانيا إلى هرمجدون أوروبية، وأشعل حرباً عالمية لم يشهد الكوكب مثيلاً في فظاعتها، تركت ألمانيا وأوروبا أطلالاً خاوية على عروشها، فضلاً عن تحويل قواها العاملة إلى جثث، أكثر مما فعل نابليون. ففي غزو الاتحاد السوفيتي وحده، خسر هتلر أكثر من مليون جندي، بين قتيل وأسير ومفقود، من أصل 3.2 ملايين جندي. كما تسبب في مقتل ما بين 6 إلى 8.8 ملايين ألماني (بينهم 5.5 ملايين عسكري) وقُتل نحو 15 مليون عسكري وأصيب 25 مليوناً، إضافة إلى مقتل 45 مليون مدني، على مستوى العالم. لم يأسف هتلر على الخسائر البشرية التي كبدها ألمانيا، بل عدها ضرورية من أجل “النضال البطولي”. ومع تصاعد الهزائم بعد معركة ستالينغراد، انهارت علاقة الفوهرر بشعبه الذي كان يعبده. وانتهت أخيراً العلاقة الغرامية بين الألمان وهتلر ولم يبق سوى الطلاق المرير، كما يقول كيرشو.

وبنهاية الحرب تراكمت على ألمانيا ديون حرب هائلة، تراوحت بين 200 و300 مليار مارك، كان هتلر ينوي تعويضها بإجبار الشعوب المغلوبة على العمل بالسخرة، وفق كيرشو. وبعد سبع سنوات من انتحار هتلر في 30 نيسان/ أبريل 1945، سيصل إلى عرش مصر بكباشي شاب، سوف يتفادى مصير هتلر بخطاب تلفزيوني دغدغ به مشاعر الشعب بعد هزيمة عسكرية مريرة وأعباء اقتصادية مؤلمة.

[سبق نشره ضمن تقرير معمق في منصة رصيف22]

al kunnasha الكناشة نابوليون

شعبويون خربوا بلادهم.. (1) نابليون

Like 0
Liked Liked
كيف ينجو الإنسان في عصر التشتت

كيف ينجو الإنسان في عصر التشتت؟

Like 0
Liked Liked
Montaigne (1752 x 670 px)

مقدمة مقالات مونتيني

Like 0
Liked Liked
Like 0
Liked Liked

↑

@ 2024 Al-Kunnasha. All rights reserved.
Powered by Al-Kunnasha